أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
375
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ : متعلق بالأمر في قوله : « آمِنُوا » ، و « نَطْمِسَ » يكون متعديا ، ومنه هذه الآية ، ومثلها فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ « 1 » لبنائه للمفعول من غير حرف جرّ ، ويكون لازما يقال : « طمس المطر الأعلام » و « طمست الأعلام » ، قال كعب : 1599 - من كلّ نضّاخة الذّفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الأعلام مجهول « 2 » وقرأ الجمهور : « نَطْمِسَ » بكسر الميم ، وأبو رجاء بضمها ، وهما لغتان في المضارع . وقدّر بعضهم مضافا أي : عيون وجوه ، ويقوّيه أنّ الطمس للأعين ، قال تعالى : لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ « 3 » . وقوله : عَلى أَدْبارِها فيه وجهان : أظهرهما : أنه متعلق ب « نردّها » . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف ؛ لأنه حال من المفعول في « نردّها » قال أبو البقاء ، وليس بواضح . قوله : أَوْ نَلْعَنَهُمْ عطف على « نَطْمِسَ » ، والضمير في « نَلْعَنَهُمْ » يعود على الوجوه ، على حذف مضاف إليه » ، أي : وجوه قوم ، أو على أن يراد بهم الوجهاء والرؤساء ، أو يعود على الذين أوتوا الكتاب ، ويكون ذلك التفاتا من خطاب إلى غيبة ، وفيه استدعاؤهم للإيمان ، حيث لم يواجههم باللعنة بعد أن شرّفهم بكونهم من أهل الكتاب . وقوله : و « كانَ أَمْرُ اللَّهِ » : أمر واحد أريد به الأمور وقيل : مصدر واقع موقع المفعول به أي : مأموره أي : ما أوجده كائن لا محالة . وقوله تعالى : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ : مستأنف ، وليس عطفا على « يَغْفِرُ » الأول لفساد المعنى . والفاعل في « يَشاءُ » ضمير عائد على اللّه تعالى ، ويفهم من كلام الزمخشري أنه ضمير عائد على « من » في « لمن » ؛ لأنّ المعنى عنده : إنّ اللّه لا يغفر الشرك لمن لا يشاء أن يغفر له بكونه مات على الشرك غير تائب منه ، ويغفر ما دون دلك لمن يشاء أن يغفر له بكونه مات تائبا من الشرك » ، و « لِمَنْ يَشاءُ » متعلق ب « يَغْفِرُ » . قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ : تقدّم مثله ، و « بل » إضراب عن تزكيتهم أنفسهم . وقدّر أبو البقاء هذا الإضراب جملة قال : « تقديره : أخطؤوه بل اللّه يزكي من يشاء . وقوله : وَلا يُظْلَمُونَ يجوز أن يكون حالا ممّا تقدّم ، وأن يكون مستأنفا ، والضمير في « يُظْلَمُونَ » يجوز أن يعود « على من يشاء » أي : لا ينقص من تزكيتهم شيئا ، وإنما جمع الضمير حملا على معنى « من » ، وأن يعود على الذين يزكّون ، وأن يعود على القبيلين : من زكّى نفسه ومن زكّاه اللّه ، فذاك لا ينقص من عقابه شيئا ، وهذا لا ينقص من ثوابه شيئا . والأول أظهر ؛ لأن « من » أقرب مذكور ، ولأنّ « بل » إضراب منقطع ما بعدها عمّا قبلها . وقال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون مستأنفا أي : من زكّى نفسه ، ومن زكّاه اللّه » . انتهى ، فجعل عود الضمير على الفريقين بناء على وجه الاستئناف ، وهذا غير لازم ، بل يجوز عوده عليهما والجملة حالية . و « فَتِيلًا » مفعول ثان ؛ لأنّ الأول قام مقام الفاعل ، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف ، كما تقدّم تقريره في مِثْقالَ ذَرَّةٍ « 4 » . والفتيل : خيط رقيق في شقّ النّواة ، يضرب به المثل في القلة ، وقيل : هو ما خرج من بين إصبعيك أو
--> ( 1 ) سورة المرسلات ، آية ( 8 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة يس ، آية ( 66 ) . ( 4 ) سورة النساء ، آية ( 40 ) .